فصل: تفسير الآيات (68- 71):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم



.تفسير الآيات (68- 71):

{وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (68) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (69) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (70) وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (71)}
{وَنُفِخَ فِي الصور} هي النَّفخةُ الأولى {فَصَعِقَ مَن فِي السموات وَمَن فِي الأرض} أي خرُّوا أمواتاً أو مغشيّاً عليهم {إِلاَّ مَن شَاء الله} قيل: هم جبريلُ وميكائيلُ وإسرافيلُ فإنَّهم لا يموتُون بعد وقيل: حَمَلةُ العرشِ. {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى} نفخةٌ أخرى هي النَّفخةُ الثَّانيةُ. وأُخرى يحتملُ النَّصبَ والرَّفعَ. {فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ} قائمون من قبورِم أو متوقفون. وقرئ بالنَّصبِ على أنَّ الخبرَ {يُنظَرُونَ} وهو حالٌ من ضميرِه والمعنى يُقلِّبون أبصارَهم في الجوانبِ كالمبهوتينَ أو ينتظرون ما يفعل بهم. {وَأَشْرَقَتِ الأرض بِنُورِ رَبّهَا} بما أقام فيها من العدلِ استُعير له النُّورُ لأنَّه يزيِّنُ البقاعَ ويُظهر الحقوقَ كما يسمَّى الظُّلم ظُلمةً. وفي الحديثِ: «الظُّلم ظلماتٌ يومَ القيامةِ» ولذلك أضيف الأسمُ الجليلُ إلى ضميرِ الأرضُ أو بنور خلقه فيها بلا توسُّطِ أجسامٍ مضيئةٍ ولذلك أُضيف إلى الاسمِ الجليلِ. {وَوُضِعَ الكتاب} الحسابُ والجزاءُ من وضع المحاسبِ كتابَ المحاسبةِ بين يديه أو صحائفُ الأعمال في أيدي العمَّالِ واكتفى باسم الجنسِ عن الجمعِ وقيل: اللَّوحُ المحفوظُ يقابل به الصَّحائفُ. {وَجِىء بالنبيين والشهداء} للأممِ وعليهم من الملائكةِ والمؤمنينَ وقيل: المُستشَهدون {وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ} بين العباد {بالحق وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} بنقصِ ثوابٍ أو زيادةِ عقابٍ على ما جرى به الوعدُ.
{وَوُفّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ} أي جزاءَه {وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ} فلا يفوتُه شيءٌ من أفعالِهم. وقوله تعالى: {وَسِيقَ الذين كَفَرُواْ إلى جَهَنَّمَ زُمَراً} إلخ تفصيلٌ للتَّوفيةِ وبيانٌ لكيفيَّتيِها أي سِيقُوا إليها بالعُنفِ والإهانةِ أفواجاً متفرقةً بعضُها في إثرِ بعضٍ مترتِّبةً حسب ترتُّبِ طبقاتهم في الضَّلالةِ والشِّرارةِ. والزُّمَر جمعُ زُمْرةٍ، واشتقاقها من الزَّمرِ وهو الصَّوتُ إذِ الجماعةُ لا تخلُو عنه. {حتى إِذَا جَاءوهَا فُتِحَتْ أبوابها} ليدخلُوها. وحتَّى هي التي تُحكى بعدها الجملةُ. وقرئ بالتَّشديدِ. {وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا} تقريعاً وتوبيخاً {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مّنكُمْ} من جنسِكم. وقرئ: {نُذُر منكم}. {يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءايات رَبّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هذا} أي وقتِكم هذا وهو وقتُ دخولِهم النَّارَ، وفيه دليلٌ على أنَّه لا تكليفَ قبل الشِّرعِ من حيثُ أنَّهم علَّلوا توبيخَهم بإتيان الرُّسلِ وتبليغَ الكُتبِ {قَالُواْ بلى} قد أتَونا وأنذرونا {ولكن حَقَّتْ كَلِمَةُ العذاب عَلَى الكافرين} حيثُ قال الله تعالى لإبليسَ: {لأَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} وقد كنَّا ممَّن تبعَه وكذَّبنا الرُّسلَ وقلنا ما نزَّل الله من شيءٍ إنْ أنتمُ إلاَّ تكذبُون.

.تفسير الآيات (72- 75):

{قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (72) وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (73) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (74) وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (75)}
{قِيلَ ادخلوا أبواب جَهَنَّمَ خالدين فِيهَا} أي مقدَّراً خلودُكم فيها. وإبهامُ القائلِ لتهويلِ المَقُولِ {فَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين} اللامُ للجنسِ والمخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ ثقةً بذكرِه آنِفا أي فبئسَ مثواهُم جهنَّمُ. ولا يقدُح ما فيه من الإشعارِ بأنَّ كونَ مثواهُم جهنَّمَ لتكبُّرِهم عن الحقِّ في أنَّ دخولَهم النَّارَ لسبق كلمةِ العذابِ عليهم فإنَّها إنَّما حُقَّتْ عليهم بناءَّ على تكبُّرِهم وكُفرِهم وقد مرَّ تحقيقُه في سُورة الم السَّجدةِ.
{وَسِيقَ الذين اتقوا رَبَّهُمْ إِلَى الجنة} مساقَ إعزازٍ وتشريفٍ للإسراعِ بهم إلى دار الكرامةِ. وقيل: سِيق مراكبُهم إذْ لا يُذهبُ بهم إلا راكبينَ {زُمَراً} متفاوتينَ حسب تفاوتٍ مراتبِهم في الفضلِ وعلوِّ الطَّبقةِ. {حتى إِذَا جَاءوهَا وَفُتِحَتْ أبوابها} وقرئ بالتَّشديدِ. وجوابُ إذا محذوفٌ للإيذانِ بأن لهم حينئذٍ من فُنون الكراماتِ ما لا يَحدِقُ به نطاقُ العباراتِ كأنَّه قيل حتَّى إذَا جَاؤُها وقد فُتحِتْ أبوابُها {وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سلام عَلَيْكُمْ} من جميعِ المكارِه والآلام {طِبْتُمْ} طهرتم من دَنَس المعاصي أو طبتُم نَفْساً بما أُتيح لكُم من النَّعيمِ. {فادخلوها خالدين} كان ما كان مَّما يقصر عنه البيانُ {وَقَالُواْ الحمد للَّهِ الذي صَدَقَنَا وَعْدَهُ} بالبعث والثَّوابِ {وَأَوْرَثَنَا الأرض} يريدونَ المكانَ الذي استقرُّوا فيه على الاستعارةِ وإيراثُها تمليكُها مخلَّفة عليهم من أعمالِهم أو تمكينُهم من التَّصرُّفِ فيها تمكينَ الوارثِ فيما يَرثُه {نَتَبَوَّأُ مِنَ الجنة حَيْثُ نَشَاء} أي يتبوأُ كلُّ واحدٍ مَّنا في أي مكانٍ أرادُه من جنَّتهِ الواسعة على أنَّ فيها مقاماتٍ معنويةً لا يتمانعُ واردُها {فَنِعْمَ أَجْرُ العاملين} الجنَّةُ {وَتَرَى الملائكة حَافّينَ} مْحدقين {مِنْ حَوْلِ العرش} أي حوله ومِن مزيدةٌ أو لابتداءِ الحفوفِ {يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ} أي ينزهونَه تعالى عَّما لا يليقُ به ملتبسينَ بحمدِه. والجملة حالٌ ثانيةٌ أو مقيَّدةٌ للأُولى والمعنى ذاكرينَ له تعالى بوصفِ جلالِه وإكرامِه تلذُّذاً به، وفيه إشعارٌ بأنَّ أقصى درجاتِ العلِّيينَ وأعلى لذائذِهم هو الاستعراقُ في شؤونه عزَّ وجلَّ {وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ بالحق} أي بين الخلقِ بإدخال بعضِهم النَّارَ وبعضهم الجَّنةَ أو بين الملائكةِ بإقامتِهم في منازلِهم على حسبِ تفاضُلِهم {وَقِيلَ الحمد لِلَّهِ رَبّ العالمين} أي على ما قَضَي بيننا بالحقِّ وأنزل كلاَّ منَّا منزلتَه التي هي حقُّه. والقائلون هم المؤمنون ممَّن قُضىَ بينهم أو الملائكةُ. وطيُّ ذكرِهم لتعيينهم وتعظيمِهم.
عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «مَن قرأَ سُورة الزُّمَر لم يقطعِ الله تعالى رجاءَهُ يومَ القيامةِ وأعطاهُ ثوابَ الخائفينَ» وعن عائشةَ رضي الله عنها أنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يقرأُ كلَّ ليلةٍ بني إسرائيلَ والزُّمَرَ.

.سورة غافر:

.تفسير الآيات (1- 3):

{حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (2) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3)}
{حم} بتفخيمِ الألفِ وتسكينِ الميمِ. وقرئ بإِمالةِ الألفِ وبإخراجِها بينَ بينَ وبفتحِ الميمِ لالتقاءِ الساكنينِ أو نصبِها بإضمارِ اقرأْ وَنَحوِهِ، ومنعُ الصرفِ للتعريفِ والتأنيث أو للتعريف وكونِها على زنةِ قابيلَ وهابيلَ. وبقيةُ الكلامِ فيه وفي قوله تعالى: {تَنزِيلُ الكتاب} كالذي سَلَفَ في آلم السجدةِ. وقوله تعالى: {مِنَ الله العزيز العليم} كما في مَطْلعِ سُورةِ الزُّمَرِ في الوجوه كُلِّها. ووجْهُ التعرضِ لنعتَي العزةِ والعلم ما ذُكرَ هناك. {غَافِرِ الذنب وَقَابِلِ التوب شَدِيدِ العقاب ذِى الطول} إِمَّا صفاتٌ أُخَرُ لتحقيق ما فيها منَ الترغيبِ والترهيبِ والحثِّ على ما هو المقصودُ، والإضافةُ فيها حقيقيةٌ على أنَّه لمْ يُرَدْ بها زمانٌ مخصوصٌ وأريدَ بشديدِ العقابِ مشدِّدُه أو الشديدُ عقابُهُ بحذف اللامِ للازدواجِ وأمنِ الالتباسِ أوْ إبدالٍ وجعلُهُ وحْدَه بدلاً كما فعَلُه الزجَّاجُ مشوشٌ للنظمِ، وتوسيطُ الواو بينَ الأوليَّنِ لإفادةِ الجمعِ بينَ محوِ الذنوبِ وقبول التوبةِ أو تغايرِ الوصفينِ إذْ رُبَّما يتوهمُ الاتحادُ أو تغايرُ موقعِ الفعلينِ لأنَّ الغفرَ هو السترُ معَ بقاءِ الذنبِ وذلكَ لمن لَمْ يتُبْ «فإنَّ التائبَ منَ الذنبِ كمنْ لا ذنبَ لَهُ» والتوبُ مصدرٌ كالتوبةِ وقيل: هُوَ جَمعُها والطَّولُ الفضلُ بترك العقابِ المستَحقِ، وفي توحيد صفةِ العذابِ مغمورةً بصفاتِ الرحمةِ دليلُ سَبْقِها ورُجْحانِها {لاَ إله إِلاَّ هُوَ} فيجبُ الإقبالُ الكُلِّي عَلى طاعتِهِ في أوامرِهِ ونواهيهِ {إِلَيْهِ المصير} فحسبُ لا إلى غيرِهِ لا استقلالاً ولا اشتراكاً فيجازِي كلاًّ من المطيعِ والعاصِي.

.تفسير الآيات (4- 6):

{مَا يُجَادِلُ فِي آَيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ (4) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (5) وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (6)}
{مَا يجادل فِي ءايات الله} أي بالطعنِ فيَها واستعمالِ المقدماتِ الباطلةِ لإدحاضِ الحقِّ كقولِه تَعَالى: {وجادلوا بالباطل لِيُدْحِضُواْ بِهِ الحق} {إِلاَّ الذين كَفَرُواْ} بَها وأمَّا الذينَ آمنُوا فلا يخطرُ ببالهم شائبةُ شبهةٍ منها فضلاً عن الطعنِ فيها وأما الجدالُ فيها لحلِّ مشكلاتها وكشفِ معضلاتها واستنباطِ حقائقِها الكلية وتوضيحٍ مناهجِ الحقِّ في مضايقِ الأفهامِ ومزالقِ الأقدامِ وإبطالِ شبهِ أهلِ الزيغِ والضلالِ فمنْ أعظمِ الطاعاتِ ولذلكَ قالَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنَّ جدالاً في القرآنِ كفرٌ» بالتنكيرِ للفرقِ بينَ جدالٍ وجدالٍ والفاءُ فِي قوله تعالى: {فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي البلاد} لترتيبِ النَّهي أوْ وجوبِ الانتهاءِ عَلَى ما قبلها منَ التسجيلِ عليهمْ بالكُفرِ الذي لاَ شيءَ أمقت منْهُ عندَ الله تعالىَ وَلاَ أجلبُ لخُسرانِ الدُّنيا وَالآخرةِ فإنَّ منْ تحققَ ذلكَ لايكادُ يَغترُّ بمَا لهُم من حظوظِ الدُّنيا وزحارِفِها فإنَّهم مأخوذونَ عَمَّا قليلٍ أخْذَ منْ قبلَهمُ منَ الأممِ حسبَما ينطق بِه قوله تعالى: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ والاحزاب مِن بَعْدِهِمْ} أي الذينَ تحزبُوا على الرسلِ وناصبوهم بعدَ قومِ نوحٍ مثلُ عادٍ وثمودَ وأضرابِهم {وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ} مِنْ تلكَ الأممِ العاتيةِ {بِرَسُولِهِمْ} وَقرئ: {برسولِها} {لِيَأْخُذُوهُ} ليتمكنُوا منْهُ فيصيبوا بهِ مَا أرادُوا منِ تعذيبٍ أو قتلٍ منَ الأخذِ بمَعْنى الأَسْرِ {وجادلوا بالباطل} الذي لاَ أصلَ وَلاَ حقيقةَ لهُ أصلاً {لِيُدْحِضُواْ بِهِ الحق} الذي لا محيدَ عَنْه كما فعلَ هؤلاءِ المذكورونَ {فَأَخَذَتْهُمُ} بسببِ ذلك أخذَ عَزيزٍ مُقتدرٍ {فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} الذي عاقبتُهمْ بهِ فإنَّ آثارَ دمارِهم عبرةٌ للناظرينَ ولآخذنَّ هؤلاءِ أيْضاً لاتحادِهم فِي الطريقةِ واشتراكِهم في الجَريرةِ كما ينبىءُ عنْهُ قوله تعالى: {وكذلك حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبّكَ} أَيْ كَما وجبَ وثبتَ حكمُه تَعَالى وقضاؤُهُ بالتعذيبِ عَلى أولئكَ الأممِ المكذبةِ المُتحزبةِ عَلى رُسلِهم المجادلةِ بالباطلِ لإدحاضِ الحقِّ بهِ وجبَ أَيْضاً {عَلَى الذين كَفَرُواْ} أيْ كفرُوا بكَ وتحزبُوا عليكَ وَهمُّوا بَما لَمْ ينالُوا كما ينبىءُ عنْهُ إضافةُ اسمِ الربِّ إلى ضميرِه عليه الصَّلاةُ وَالسلامُ فإنَّ ذلكَ للإشعارِ بأنَّ وجوبَ كلمةِ العذابِ عليهمْ مِنْ أحكامِ تربيتِهِ التي مِنْ جُمْلتِها نصرتُهُ عليهِ الصلاةُ والسَّلامُ وتعذيبُ أعدائِهِ وذلكَ إنَّما يتحققُ بكونِ الموصولِ عبارةً عن كفارِ قومِهِ لاَ عنِ الأممِ المهلكةِ وَقوله تعالى: {أَنَّهُمْ أصحاب النار} فِي حَيِّزِ النصبِ بحذفِ لام التعليلِ أيْ لأنهُمْ مستحقَّو أشدِّ العُقوباتِ وأفظعِها التي هيَ عذابُ النارِ وَملازمُوهَا أبداً لكونهمْ كُفَّاراً معاندينَ متحزبينَ عَلى الرسولِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ كدأبِ منْ قبلهُم منَ الأممِ المهلكةِ فهُم لسائرِ فنونِ العقوباتِ أشدُّ استحقاقاً وأحقُّ استيجاباً وقيلَ: هو في محل الرفع على أنَّه بدل من كلمة ربك والمعنى مثل ذلك الوجوب وجب على الكفرةِ المهلكةِ كونُهم من أصحابِ النارِ أي كما وجبَ إهلاكُهم في الدُّنيا بعذابِ الاستئصالِ كذلكَ وجبَ تعديبُهم بعذابِ النَّارِ في الآخرةِ وَمحلُّ الكافِ عَلى التقديرينِ النصبُ عَلى أنَّه نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ.

.تفسير الآية رقم (7):

{الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7)}
{الذين يَحْمِلُونَ العرش وَمَنْ حَوْلَهُ} وَهُم أعلى طبقاتِ الملائكةِ عليهم السلامُ وأولُهم وجُوداً وحملهم إيَّاهُ وحفيفُهم حولَهُ مجازٌ عن حفظِهم وتدبيرِهم له وكنايةٌ عن زُلفاهُم منْ ذِي العرشِ جَلَّ جَلالُه ومكانتِهم عِنْدُه وَمحلُّ الموصولِ الرفعُ عَلى الابتداءِ خبرُه: {يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ} والجملةُ اسئتنافٌ مَسوقٌ لتسليةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ببيانِ أنَّ أشرافَ الملائكةِ عليهمُ السلامُ مثابروِنَ عَلَى ولايةِ مَنْ معهُ منَ المُؤمنينَ ونُصْرتِهم واستدعاءِ مَا يُسعِدُهم في الدارينِ أيْ ينزهونهُ تعالى عن كُلِّ ما لاَ يليقُ بشأنِه الجليلِ ملتبسينَ بحمدِهِ عَلى نعمائِه التي لاَ تتناهَى {وَيُؤْمِنُونَ بِهِ} إِيماناً حقيقياً بحالِهم، والتصريحُ بهِ مع الغنِىَ عن ذِكْرِهِ رَأْساً لإظهارِ فضيلةِ الإيمانِ وإبرازِ شرفِ أهلِه والإشعارِ بعلةِ دُعَائهم للمؤمنينَ حسبما ينطِقُ بهِ قولُه تَعالى: {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ} فَإِنَّ المشاركةَ في الإيمانِ أقْوَى المناسباتِ وأتمُّها وأدعى الدَّواعِي إِلى النصحِ والشفقةِ، وفي نظمِ استغفارهم لهم في سلكِ وظائِفهم المفروضةِ عليهم منْ تسبيحهم وتحميدِهم وإيمانهم إيذانٌ بكمالِ اعتنائِهم بهِ وإِشعارٌ بوقوعِهِ عندَ الله تعالى فِي مَوقعِ القَبولِ. رُوي أنَّ حملةَ العرشِ أرجلُهم في الأَرْضِ السُّفلى ورؤوسُهم قدْ خرقتِ العرشَ وهم خشوعٌ لا يرفعونَ طَرفهم. وعن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «لا تتفكروا في عِظَمِ ربكم ولكنْ تفكروا فيمَا خلقَ الله من الملائكةِ فإنَّ خلقاً من الملائكةِ يقالُ لهُ إسرافيلُ زاويةٌ منْ زَوَايا العرشِ عَلى كاهلِهِ وقدماهُ في الأرضِ السُّفْلى وَقَدُ مرقَ رأسُهُ منْ سبعِ سمواتٍ وإنَّه ليتضاءلُ منْ عظمةِ الله حتَّى يصيرَ كأنُه الوصعُ» وَفِي الحديثِ: «إِنَّ الله أمرَ جميعَ الملائكةِ أَنْ يغدُوا ويروحُوا بالسلامِ عَلى حملةِ العرشِ تفضيلاً لهم عَلى سائِرهم» وقيل: خلقَ الله تعالى العرشَ من جوهرةٍ خضراءَ وبينَ القائمتينِ من قوائمِهِ خفقان الطيرِ المسرعِ ثمانينَ عامٍ وقيل: حولَ العرشِ سبعونَ ألفَ صفّ منَ الملائكةِ يطوفونَ به مهللينَ مكبرينَ ومن ورائهم سبعونَ ألفَ صفٍ قيامٌ قد وضعُوا أيديَهُم عَلى عواتقِهم رافعينَ أصواتَهُم بالتهليلِ والتكبيرِ ومنْ ورائِهم مائةُ ألفِ صفٍ قدْ وضعُوا أيمانَهُم عَلى الشمائلِ ما منهمْ أحدٌ إلا وهو يسبحُ بما لا يسبحُ بهِ الآخرُ {رَبَّنَا} عَلى إرادةِ القولِ أيْ يقولونَ ربَّنا عَلى أنَّه إمّا بيانٌ لاستغفارِهم أوْ حالٌ.
{وَسِعْتَ كُلَّ شيء رَّحْمَةً وَعِلْماً} أيْ وَسِعتْ رحمتُكَ وعلمُكَ فأزيلَ عنْ أصلِه للإغراقِ في وصفهِ تعالَى بالرحمةِ والعلمِ والمبالغةِ في عمومهمَا وتقديمُ الرحمةِ لأنَّها المقصودةُ بالذات هنها والفاءُ في قوله تعالى: {فاغفر لِلَّذِينَ تَابُواْ واتبعوا سَبِيلَكَ} أي للذين عملتَ منهم التوبةَ واتباعَ سبيلِ الحقِّ لترتيبِ الدعاءِ عَلَى ما قبلها مِنْ سعةِ الرحمةِ والعلمِ {وَقِهِمْ عَذَابَ الجحيم} وَاحفظْهُم عنْهُ وهُوَ تصريحٌ بعدَ إِشعارٍ للتأكيدِ.

.تفسير الآيات (8- 10):

{رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (8) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (10)}
{رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ} عطفٌ عَلى قِهِمْ وتوسيطُ النداءِ بينَهما للبمالغةِ في الجؤارِ {جنات عَدْنٍ التي وَعَدْتَّهُمْ} أيْ وعَدَتهم إيَّاهَا وقرئ: {جَنَّةَ عَدْنٍ} {وَمَنْ صَلَحَ مِنْ ءابَائِهِمْ وأزواجهم وَذُرّيَّاتِهِمْ} أيْ صلاحاً مصحَّحاً لدخولِ الجنةِ في الجملةِ وإنْ كانَ دونَ صلاحِ أصولِهم وهُوَ عطفٌ على الضميرِ الأولِ أيْ وأدخلها معهم هؤلاء ليتم سرورهم ويتضاعفُ ابتهاجُهم أوْ عَلى الثانِي لكنْ لا بناءً عَلى الوعدِ العام للكلِّ كما قيل إذ لا يبقى حينئذ للعطف وجه بل بناء على الوعد الخاصِّ بهمْ بقولِه تعالَى: {أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْ} بأنْ يكونُوا أعلى درجةً منْ ذريتِهم قالَ سعيدُ بنُ جُبيرٍ: يدخلُ المؤمنُ الجنةَ فيقولُ أينَ أبي أينَ ولدي أينَ زَوْجي فيقالُ إِنَّهم لمْ يعملُوا مثلَ عملكَ فيقولُ إني كنتُ أعملُ لي ولهُم فيقالُ أَدخلوهم الجنةَ. وسبقُ الوعدِ بالإدخالِ والإلحاقِ لاَ يستدعي حصولَ الموعودِ بلا توسطِ شفاعةٍ واستغفارٍ وعليهِ مَبْنى قولِ منْ قالَ فائدةُ الاستغفارِ زيادةُ الكرامةِ والثوابِ والأولُ هو الأَولى لأنَّ الدعاءَ بالإدخالِ فيه صريحٌ وفي الثاني ضمنيٌّ وقرئ: {صَلُح} بالضَّمِ وذرّيتِهمُ بالإفرادِ {إِنَّكَ أَنتَ العزيز} أي الغالبُ الذَّي لاَ يمتنعُ عليه مَقْدورٌ {الحكيم} أي الذي لا يفعلُ إلاَّ ما تقتضيهِ الحكمةُ الباهرةُ مَن الأمورِ التي منْ جُمْلتها إنجازُ الوعدِ فالجملةُ تعليلٌ لما قَبْلها.
{وَقِهِمُ السيئات} أي العقوباتِ لأَنَّ جزاءَ السيئةِ سيئةٌ مثلُهَا أو جزاءَ السيئاتِ عَلَى حذْفِ المُضافِ وَهُوَ تعميمٌ بعدَ تخصيصٍ أوْ مخصوصٌ بالأتْباعِ أو المعاصي في الدُّنيا فمعنى قوله تعالى: {وَمَن تَقِ السيئات يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ}: ومن تقه المعاصي في الدنيا فقد رحمته فِي الآخرةِ كأنَّهم طلَبوا لهُمْ السببَ بعدَ مَا سألُوا المُسبَّبَ {وَذَلِكَ} إشارةٌ إلى الرحمةِ المفهومةِ من (رَحْمتَه) أوْ إليَها وإِلى الوقايةِ وَمَا فيه منْ مَعْنى البُعدِ لما مَرَّ مِراراً منَ الإشعارِ ببُعْدِ درجةِ المُشارِ إليهِ {هُوَ الفوز العظيم} الذِي لاَ مطمعَ وَرَاءَهُ لطامعٍ.
{إِنَّ الذين كَفَرُواْ} شروعٌ في بيانِ أحوالِ الكفرة بعدَ دخولِهم النَّارَ بعدَ ما بينَ فيما سبقَ أنهُمْ أصحابُ النارِ {يُنَادَوْنَ} أيْ مِنْ مكانٍ بعيدٍ وهُمْ في النارِ وقَدْ مقتُوا أنفسَهُم الأمَّارةَ بالسُّوءِ التي وقعُوا فيمَا وقعُوا باتباعِ هَوَاهَا أوْ مقَتَ بعضُهم بعضاً من الأحبابِ كقولِه تَعَالَى: {يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً} أيْ أبغضوهَا أشدَّ البغضِ وَأنكروهَا أبلغَ الإنكارِ وَأظهرُوا ذلكَ على رؤوسِ الأشهادِ فيقالُ لهم عندَ ذلكَ {لَمَقْتُ الله أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ} أيْ لمقتُ الله أنفسَكُم الأمَّارةَ بالسوءِ أوُ مقتُه إِيَّاكم في الدُّنيا {إِذْ تَدْعُونَ} منْ جهةِ الأنبياءِ {إِلَى الإيمان} فتأبَوْنَ قَبولَهُ {فَتَكْفُرُونَ} اتّباعاً لأنفسكمْ الأمَّارةِ ومسارعةً إِلى هَوَاها أوِ اقتداءً بِأَخِلاَّئِكُم المضلينَ واستحباباً لآرائِهم أكبرُ منْ مقتِكم أنفسَكُم الأمارةَ بالسوءِ أوْ مِنْ مقتِ بعضِكم بعضاً اليومَ فإذ ظرفٌ للمقتِ الأولِ وإنْ توسطَ بينَهما الخبرُ لما فِي الظروفِ من الاتساعِ وقيل: لمصدرٍ آخرَ مقدرٍ أيْ مقتُه إيَّاكم إذْ تدعونَ وقيلَ: مفعولٌ لأذكرُوا والأولُ هو الوجْه وقيلَ: كلا المقتينِ في الآخرةِ وإذْ تدعَونَ تعليلٌ لَما بينَ الظرفِ والسببِ منْ علاقةِ اللزومِ والمعنى لمقتُ الله إِيَّاكم الآنَ أكبرُ منْ مقتكم أنفسَكم لمَّا كنتمُ تُدعَونَ إِلى الإيمانِ فتكفرونَ، وتخصيصُ هَذَا الوجهِ بصورةِ كونِ المرادِ بأنفسِهم أضرابَهُم مما لاَ دَاعيَ إليهِ.